محمد بن زكريا الرازي
425
الحاوي في الطب
دخل الشتاء ، فيجب أن يعرض للناس وجع الرأس ومرض الدماغ المسمى سقاقلوس وسعال ونوازل وسل وزكام - وهذا القول كذب على أبقراط . قال : إذا كان الصيف يابسا جنوبيا والخريف كثير الأمطار شماليا عرض للناس في الشتاء وجع الرأس وسقاقلوس في الدماغ وسعال ونوازل وبحوحة وزكام والسل أيضا لبعضهم . قال : الصيف اليابس الجنوبي يكون إذا لم يكن مطر ولم تهب مع ذلك رياح ، والرؤوس في ذلك تكون حارة غيرة رطبة ؛ فإذا كان الخريف بعد ذلك باردا رطبا بقدر انتفع به بعض الناس ، لأنه يرد مزاج الدماغ إلى الاعتدال ، وإن كان مفرطا في البرد والرطوبة أضر ببعض الناس ، لأن الرؤوس تكون سخيفة من الصيف الجنوبي فإذا أقبل الشتاء أصابهم فيه علل باردة وما ذكر كله ، وأما سقاقلوس في الدماغ فإنه لإفراط العفونات في الدماغ يخرج عن الاعتدال خروجا كثيرا . وإذا كان الصيف شماليا يابسا صح أصحاب البلغم والنساء ، وعرض لأصحاب الصفراء رمد يابس وحميات حارة مزمنة ومرة سوداء لأن صفراءهم تحترق وكذا دماؤهم . الصيف أكثر أمراضا من الشتاء ، والخريف من الربيع ؛ وذلك أنه يكثر فيه المرار وتضعف الأبدان بكثرة ما ينفش منها ويكثر الناس أكل الفواكه وشرب الماء . قال : ودع الكي والبط والإسهال والقيء في تغاير « الفصول » القوية . قال : كل مدينة فإنها تهب عليها الرياح المقابلة لها فإن المدن الجبلية تتغير من أجل الجبال ولو لم يكن بينها إلا غلوة واحدة ، لأن أنف الجبل ربما يستر بعض النواحي عن قرية وينكشف عن مدينة فتخالف القرية المدينة . قال : والاختلاف العظيم يكون للعرض كالحال في بلاد الترك والنوبة . الثالثة : المدن المعتدلة في الحر والبرد يكثر فيها الحيوان والنسل ويزكو النبات وتكون شهوة الباه فيهم غالبة وتعظم جثث الحيوان وتكون حسنة . لي : إذا كانت البلاد مستوية ليست كثيرة الانخفاض ولا الارتفاع كان تغاير « الفصول » فيها يسيرا وبالضد ، فإن المواضع الشامخة يشتد فيها البرد في الشتاء والغائرة تكون كنينة . فأما في الصيف فالغائرة تكون رمدة والمرتفعة طيبة لكثرة هبوب الرياح . والبلدان الرطبة الباردة المزاج تصير أبدان أهلها عظيمة شحمية لا يتبين لهم عرق ولا مفصل . البلدان الواغلة في الشمال لا تكاد تبلغ إليها الرياح الجنوبية إلا وقد ضعفت وبالضد . البلدان الباردة تجعل أهلها أشجع اضطرارا ، والبلدان المعتدلة تجعلهم أهل توان وكسل وخوف . أهل البلدان الشامخة الجبلية أحسن وأقوى من أهل البلدان الغائرة لأنهم يشربون مياها طيبة صحيحة ويتنسمون هواء صافيا نقيا وتهب عليهم رياح كثيرة ، والشجر النابت فيها أقوى وأصح - أعني في العالية - . وسكان الأغوار تهب عليهم رياح حارة ما لا تهب الباردة